تشهد المغرب حراكًا شعبيًا قويًا يعكس سخط جيل زد212 الذي يطالب بإصلاحات حقيقية في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم، حيث يتجمع الشباب في مظاهرات عارمة تحت شعار “مبغيناش كأس العالم.. الصحة أولًا” ليعبروا عن استيائهم من تجاهل الحكومة لمطالبهم الأساسية، ويؤكد المحتجون أن الأولويات يجب أن تكون في تحسين الخدمات العامة بدلاً من استثمار مليارات الدراهم في البنية التحتية الرياضية، وعلى الرغم من الوعود الحكومية بالاستجابة، إلا أن الشارع لا يزال متمسكًا بمطالبه، مما يطرح تساؤلات حول قدرة حكومة أخنوش على مواجهة هذه التحديات والاحتجاجات المتزايدة التي تهدد استقرار الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد.

"مبغيناش كأس العالم.. الصحة أولًا"

هذا الشعار أصبح رمزًا للاحتجاجات التي شهدها المغرب منذ عام 2011، حيث أعاد للأذهان الحراك الشعبي الذي اندلع في فترة "الربيع العربي"، حين خرج الشباب للمطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية. اليوم، يقود جيل زد "GenZ 212" الاحتجاجات للتعبير عن سخطهم من تدهور الخدمات الأساسية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، حيث يشير المحتجون إلى أن الحكومة تُفضل بناء البنية التحتية الرياضية استعدادًا لاستضافة كأس أفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، على حساب القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين اليومية.

شهدت الاحتجاجات تجمعات واسعة في المدن الكبرى مثل الرباط، الدار البيضاء، فاس، وأكادير، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بتحسين المستشفيات وزيادة عدد الأطر الطبية والتربوية، وتوفير تجهيزات أفضل. يعتقد مراقبون أن هذه الاحتجاجات تعكس صرخة للشباب ضد ما يعتبرونه اختلالًا في ترتيب الأولويات، حيث تُستثمر مليارات الدراهم في الملاعب والفنادق، بينما تبقى الخدمات الأساسية عاجزة عن تلبية احتياجات المواطنين، خصوصًا في المناطق القروية والنائية، المعروفة بـ "المغرب غير النافع".

ماذا يقول جيل زد؟

تواصلنا مع عدد من الشباب المغاربة الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة، حيث تقول آية، 20 عامًا: "لكل مغربي قصة مع المستشفيات، سواء تعلق الأمر به أو بعائلته، أصبحنا نخشى الذهاب إلى المستشفيات العمومية بسبب تردي أوضاعها، فيما ترتفع تكلفة العلاج في القطاع الخاص". وتضيف أن الحكومة خصصت ملايين الدراهم لبناء الملاعب الرياضية، بينما لا تزال مناطق مثل الحوز تعاني من آثار الزلزال. وتؤكد آية أن جيلها سيواصل الضغط على الحكومة حتى تلبي مطالبهم.

أما محمد، 22 عامًا، فيطالب رئيس الحكومة بالتنحي، متهمًا إياه بسياسات أدت إلى موجة الاحتجاجات الحالية. وعن أحداث الشغب التي شهدتها الاحتجاجات في مدينتي إنزكان ووجدة، يقول أيمن، 25 عامًا: "التظاهرات بدأت سلمية، لكن السلطات ردت بشكل قمعي، مما دفع بعض المتظاهرين إلى أعمال شغب". ويؤكد أن الاحتجاجات ستبقى سلمية، داعيًا الحكومة إلى التجاوب السريع مع المطالب المشروعة.

"مستشفى الموت".. شرارة غضب المغاربة على القطاع الصحي

أثارت وفاة ثماني نساء في مستشفى الحسن الثاني بمدينة أكادير، نتيجة عمليات قيصرية، موجة غضب واسعة بين المغاربة، لتصبح هذه الحادثة نقطة انطلاق لما وصفته وسائل الإعلام بـ "انفجار الاحتجاجات على تردي الأوضاع الصحية". يعتبر المواطنون أن تكرار هذه الحوادث يكشف عن تدهور المستشفيات العمومية واستغلال مادي مفرط من القطاع الخاص، حيث يرون أن الدولة تخلت عن القطاع العام لصالح الخصخصة.

استجابةً للاحتجاجات، قام وزير الصحة أمين التهراوي بزيارة المستشفى، وأعلن عن سلسلة إعفاءات لمسؤولين، ولكن ذلك لم يهدئ الغضب الذي امتد سريعًا إلى عدة مدن مغربية. في مدن مثل تطوان وإقليم الدرويش، نظّم مواطنون وقفات احتجاجية أمام المستشفيات، مطالبين بتحسين جودة الرعاية الصحية وتوفير الأطر الطبية والتجهيزات الأساسية.

التعليم.. إلى أين؟

تُعاني أزمة التعليم في المغرب من مشكلات مشابهة لتلك التي يعاني منها قطاع الصحة، من اكتظاظ في الفصول الدراسية، ونقص في الأطر التربوية، وهشاشة في البنيات التحتية. تشير إحصاءات وزارة التربية الوطنية إلى أن عدد التلاميذ بلغ نحو 8 ملايين و212 ألفًا، مقابل حوالي 306 آلاف أستاذ وأستاذة فقط، مما يعني وجود 38 أستاذًا لكل ألف تلميذ.

الأزمة تتعقد أكثر مع ما كشفه تقرير اليونسكو، الذي أشار إلى أن ضعف الأجور ونظام التقاعد من أبرز الأسباب التي تدفع الأساتذة لمغادرة المهنة. ورغم تخصيص مشروع قانون المالية لسنة 2025 نحو 85.6 مليار درهم لقطاع التعليم، فإن الأزمة تظل قائمة، مما أدى إلى سلسلة احتجاجات وإضرابات خاضها أساتذة التعليم.

الحكومة بعد صمت لأيام: فهمتكم

بعد أيام من الاحتجاجات، أبدت رئاسة الأغلبية الحكومية استعدادها للتجاوب الإيجابي مع المظاهرات التي دعت إليها مجموعة "جيل زد". أكد بيان الأغلبية على حسن إنصاتها وفهمها للمطالب الاجتماعية، مشددًا على أهمية الحوار والنقاش داخل المؤسسات لإيجاد حلول واقعية. ومع ذلك، قوبل البيان بانتقادات واسعة، حيث طالب مدونون برحيل الحكومة التي أخفقت في تحقيق ما وعدت به، مما أدى إلى تدهور الخدمات الأساسية وغلاء المعيشة.

كأس أفريقيا والعالم.. بأي كلفة؟

يجد المغرب نفسه أمام جدل محتدم حول استضافته كأس العالم 2030 وكأس أفريقيا 2025، حيث يعتبر البعض أن هذه الفرصة ستسهم في تسويق صورة البلاد وجذب الاستثمارات، بينما يرى آخرون أنها عبء مالي يأتي على حساب قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة. تشير التقديرات إلى أن الخزينة العامة ستخصص نحو 25 مليار درهم لبناء الملاعب، بينما ستُستخدم مبالغ إضافية من التمويل البنكي.

رغم الأرقام الضخمة، يؤمن مؤيدو المشروع بأن البطولة قد تدر عوائد اقتصادية تصل إلى 10 مليارات دولار، ولكن المعارضين يحذرون من أن هذه الكلفة ستثقل ميزانية الدولة، في وقت تعاني فيه قطاعات حيوية من عجز كبير ونقص في الموارد.