كشف تقرير حكومي جديد عن الشركة القابضة لكهرباء مصر عن تطور ملحوظ في كفاءة إدارة موارد الطاقة في قطاع الكهرباء، مما يعد أحد أهم نتائج برامج الإصلاح الهيكلي التي تتبناها الدولة.
أظهر التقرير نجاح النظام في تقليل استهلاك الوقود التقليدي بنسبة تصل إلى 30% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بنفس الفترة من عام 2024، مما يمثل تحولًا استراتيجيًا من نموذج تأمين الإمدادات إلى نموذج تعظيم الكفاءة والعائد الاقتصادي.
هذا التغيير يأتي في إطار استراتيجية شاملة تقودها وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تحت إشراف الدكتور محمود عصمت، والتي تركز على تحديث البنية التحتية وتعظيم الاستفادة من الأصول الإنتاجية وتبني أحدث الأنظمة التكنولوجية في إدارة الشبكة القومية.
وفقًا للتقرير، انتقلت منظومة الكهرباء المصرية إلى مرحلة الإدارة الذكية للأحمال، من خلال تطبيق نظام رقمي موحد يعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التشغيلية بشكل لحظي. تعمل هذه المنظومة على توجيه الأحمال تلقائيًا نحو المحطات الأكثر كفاءة حرارية، مما يضمن إنتاج نفس الكمية من الكهرباء باستخدام كميات أقل من الوقود.
يُعتبر التوسع في تشغيل محطات الدورة المركبة أحد المحاور الرئيسية لهذه الاستراتيجية، حيث حققت المحطات العملاقة التي نفذتها شركة سيمنس في العاصمة الإدارية الجديدة والبرلس وبني سويف كفاءة تشغيلية تصل إلى نحو 61%، وهي من بين الأعلى عالميًا. وقد ساهم ذلك في خفض المعدل النوعي لاستهلاك الوقود إلى مستويات قياسية لم تشهدها الشبكة القومية من قبل.
على الصعيد الاقتصادي، أظهر التقرير أن خفض استهلاك الوقود انعكس بشكل إيجابي على الموازنة العامة للدولة، حيث بلغت قيمة الوفر المالي نحو 40.4 مليار جنيه خلال العام المالي الأخير، ويعود هذا التوفير إلى تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والمازوت في تشغيل المحطات، مما أتاح إعادة توجيه جزء من هذه الموارد نحو التصدير.
كما استفاد قطاع البترول من تراجع الاستهلاك المحلي في زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال، خاصة إلى الأسواق الأوروبية التي تشهد طلبًا متزايدًا في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
هذا الأمر ساهم في تعزيز تدفقات النقد الأجنبي ودعم استقرار سعر الصرف، مما يعكس الترابط الوثيق بين سياسات الطاقة وأداء الاقتصاد الكلي.
وأشار التقرير أيضًا إلى نجاح خطة وزارة الكهرباء في إعادة هيكلة مزيج التوليد، من خلال التخلص التدريجي من الوحدات القديمة منخفضة الكفاءة، أو إعادة تأهيلها للعمل بنظام الدورة المركبة، مما يتيح زيادة القدرة الإنتاجية بنسبة تصل إلى 50% دون استهلاك وقود إضافي، من خلال استغلال الحرارة المهدرة.
في نفس الوقت، نجحت مراكز التحكم القومية الحديثة في خفض الفاقد الفني بنسبة 18%، من خلال تطبيق تكنولوجيا الشبكات الذكية التي تتيح المراقبة اللحظية للأداء، والتدخل الفوري لمعالجة أي انحرافات تشغيلية.
هذا الأمر أنهى أحد أبرز مصادر الهدر التاريخي في قطاع الكهرباء، والذي كان يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الدولة.
وفيما يتعلق بمزيج الطاقة، أظهر التقرير أن مساهمة مصادر الطاقة المتجددة ارتفعت لتقترب من 35% من إجمالي الطاقة المولدة، متجاوزة المستهدفات الزمنية السابقة، ويعود ذلك إلى التوسع في تشغيل مشروعات الطاقة الشمسية في أسوان، بجانب محطات الرياح في خليج السويس والزعفرانة.
هذا التوسع ساهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات الكربونية، مما يعزز موقع مصر في مؤشرات الاستدامة العالمية، ويدعم فرصها في جذب التمويلات الخضراء منخفضة التكلفة لمشروعات الطاقة المستقبلية.
رغم ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء، حيث تشير التقديرات إلى أن القيمة السوقية للوقود المستخدم تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، إلا أن التقرير أكد أن الاستثمارات التي تم ضخها في تطوير الشبكات والمحطات أثبتت جدواها الاقتصادية.
تمكنت الدولة من استرداد جزء كبير من هذه الاستثمارات عبر الوفورات المحققة في استهلاك الوقود خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس كفاءة توجيه الإنفاق الاستثماري في قطاع الطاقة وقدرته على تحقيق عوائد مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الوطني.
وفي إطار تحسين كفاءة التشغيل، تم تطبيق نظام الصيانة التنبؤية المعتمد على تقنيات الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات، والذي يتيح اكتشاف الأعطال المحتملة قبل وقوعها.
هذا النظام يضمن الحفاظ على كفاءة المحطات عند أعلى مستوياتها، ويمنع تراجع الأداء الناتج عن عوامل مثل التلوث أو التآكل أو ضعف كفاءة الاحتراق، مما يؤدي إلى تعظيم الاستفادة من كل وحدة وقود مستخدمة وتقليل الفاقد غير المرئي الذي كان يستنزف موارد ضخمة في السابق.
سلط التقرير الضوء أيضًا على الأهمية الاستراتيجية لمشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار مثل السعودية والأردن والسودان واليونان، والتي تتيح تبادل الطاقة وفقًا لاختلاف أوقات الذروة.
هذا الربط يمنح مصر مرونة أكبر في إدارة الطلب، حيث يمكن استيراد الكهرباء بأسعار تنافسية خلال فترات انخفاض الأسعار العالمية، أو تصدير الفائض الناتج عن المحطات عالية الكفاءة لتحقيق عوائد إضافية، مما يعزز من موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة وتبادل الطاقة.
تضمن التقرير أن المستهدف خلال الفترة المقبلة يتمثل في تقليل الفاقد التشغيلي إلى أدنى حد ممكن، مع التوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، كبديل مستقبلي للوقود التقليدي في بعض التطبيقات.
تعكس هذه المؤشرات تحول قطاع الكهرباء في مصر من عبء مالي إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، حيث أصبح قادرًا على تحقيق وفورات مالية كبيرة ودعم استقرار الاقتصاد الكلي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
كما تعزز هذه النتائج ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في استدامة البنية التحتية للطاقة في مصر، باعتبارها ركيزة أساسية لأي نهضة صناعية وتنموية خلال السنوات المقبلة.

