تأتي موازنة 2026 كأول ميزانية حكومية تتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تؤثر الأوضاع المتوترة في إيران على أسعار الطاقة محليًا وعالميًا، مما ينعكس على حركة الملاحة العالمية.
أوضح الدكتور إسلام شوقي، الخبير الاقتصادي، أن موازنة مصر لعام 2026 تعتبر استثنائية في ظل الظروف الحالية، مشيرًا إلى أن مجلس الوزراء المصري اعتمد هذه الموازنة في 26 مارس 2026. وقد أُعدت الموازنة في وقت بالغ التعقيد، بعد اندلاع الحرب الإقليمية في 28 فبراير 2026، وهي حرب غير مسبوقة في المنطقة. كما أكد شوقي أن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم الوضع، فالسياق الإقليمي يلعب دورًا كبيرًا في تحديد إمكانية تحقيق الأهداف، سواء كانت طموحة أو واقعية.
الانضباط المالي في الموازنة المصرية
أفاد شوقي بأن الموازنة تشير إلى استمرار سياسة الانضباط المالي، مع استهداف عجز كلي بنسبة 4.9% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027. كما تهدف إلى خفض نسبة الدين العام إلى نحو 78% من الناتج، مقارنة بمستويات أعلى في 2025. تتضمن الموازنة أيضًا زيادة مخصصات الحماية الاجتماعية إلى نحو 832.3 مليار جنيه، مع تخصيص حوالي 90 مليار جنيه لدعم النشاط الاقتصادي وتحفيز الاستثمار.
تأثيرات الحرب على الموازنة المصرية
تطرق الخبير الاقتصادي إلى التأثيرات المباشرة للحرب على الموازنة، حيث تتضمن عدة ملفات رئيسية:
ملف الطاقة: تعتمد مصر على استيراد النفط، ويصل استهلاكها السنوي إلى نحو 20 مليار دولار، وأي تصعيد في مضيق هرمز أو الخليج قد يرفع أسعار النفط عالميًا، مما يزيد من فاتورة الاستيراد ويضغط على الجنيه ويؤدي إلى موجة تضخم محتملة.
ملف التجارة والملاحة: تُعتبر قناة السويس من أكثر القطاعات حساسية تجاه الحرب، حيث تكبدت مصر خسائر تراكمية تقدر بنحو 10 مليارات دولار نتيجة التوترات السابقة، وأي تصعيد جديد قد يؤدي إلى تحويل مسارات السفن وانخفاض الإيرادات.
ملف السياحة: قبل الحرب، استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في 2025، مما يمثل ارتفاعًا بنسبة 21%. السياحة تُعتبر من أكثر القطاعات تأثرًا بالحروب، وأي تصعيد أمني يمكن أن يؤدي إلى إلغاء الرحلات وزيادة تكاليف التأمين.
نقاط القوة في الاقتصاد المصري
رغم التحديات، أشار شوقي إلى أن تحويلات المصريين بالخارج تُعد من أهم نقاط القوة في الاقتصاد، حيث سجلت أعلى مستوى تاريخي في 2025 بنمو 40.5% لتصل إلى 41.5 مليار دولار، متفوقة على الصادرات والسياحة وقناة السويس مجتمعة، لكنها معرضة للتأثر باضطرابات اقتصادات الخليج.
الأموال الساخنة والحماية الاجتماعية
فيما يتعلق بالأموال الساخنة، أشار شوقي إلى أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصري تقدر بحوالي 32 مليار دولار، محذرًا من مخاطر الخروج السريع في أوقات التوتر، مما يعكس هشاشة الاستقرار النقدي. كما أكد على أهمية ملف الحماية الاجتماعية، حيث خصصت الموازنة 832.3 مليار جنيه لدعم الفئات الأكثر تضررًا، مع تخصيص 40 مليار جنيه لمبادرة “حياة كريمة”، ولكن الدعم يحتاج إلى حماية من التضخم المحتمل.
سيناريوهات التعامل مع الأزمة
تواجه الموازنة المصرية تحديات كبيرة، حيث تقع بين مطرقة الانضباط المالي وسندان النمو. تحقيق خفض الدين العام وفائض أولي مع توسيع شبكة الأمان الاجتماعي يعتبر معادلة صعبة، ونجاحها يعتمد على قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات الخاصة. هناك سيناريوهات عدة متوقعة، أولها إيجابي إذا انتهت الحرب سريعًا، مما سيعيد الاستقرار النسبي ويعيد تدفق التحويلات وتعافي السياحة. السيناريو الآخر هو الحذر، حيث قد تستمر التوترات المحدودة، مما يؤدي إلى تحقيق أهداف الموازنة جزئيًا مع عجز أعلى من المستهدف. أما السيناريو الثالث فهو سلبي، حيث قد يتصاعد الوضع الإقليمي، مما يؤدي إلى تراجع الإيرادات وزيادة فاتورة الطاقة، مع الحاجة لدعم اجتماعي إضافي.
الموازنة المصرية الأخيرة ليست مجرد وثيقة مالية، بل هي اختبار لقدرة الدولة على الصمود في ظل ظروف غير متوقعة، مع الحفاظ على مسار الإصلاح المالي على المدى الطويل، والتحدي الحقيقي هو حماية المواطنين من تداعيات الحرب وضمان استمرارية الاقتصاد في بيئة غير مستقرة.

