أكدت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية ومدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، أن الموازنة العامة الجديدة تعكس توجهًا واضحًا نحو تحقيق توازن بين الانضباط المالي وتحفيز النشاط الاقتصادي، في ظل التحديات المعقدة التي تواجهها البلاد.
وأوضحت الملاح في تصريحات خاصة أن الأرقام المعلنة تشير إلى تحول نوعي في إدارة المالية العامة، حيث تستهدف الدولة زيادة الإيرادات إلى نحو 4 تريليونات جنيه بمعدل نمو يصل إلى 27.6%، مقابل مصروفات تبلغ 5.1 تريليون جنيه بزيادة 13.2%، مما يعكس جهودًا جادة لتسريع نمو الإيرادات بشكل يفوق الإنفاق، وهو ما يسهم في تقليل العجز تدريجيًا.
كما أشارت إلى أن هذه المعادلة تعكس تحسنًا في كفاءة إدارة الموارد، حيث تتحرك الحكومة لتعزيز الإيرادات الذاتية دون التوسع المفرط في المصروفات، وهو توجه ضروري لاستدامة الاستقرار المالي. ولفتت إلى أن خفض العجز الكلي إلى 4.9% يعكس التزامًا واضحًا بمسار الإصلاح المالي، معتبرة أن هذا المستوى من العجز مقبول نسبيًا في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة التمويل.
وفيما يتعلق بمؤشرات العجز والفائض، أكدت أن استهداف تحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه، بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، يمثل مؤشرًا إيجابيًا على قدرة الدولة على تحقيق فوائض قبل سداد فوائد الدين، مما يوفر مساحة مالية يمكن توجيهها لخفض الدين العام وزيادة الإنفاق على القطاعات الاجتماعية.
خفض الدين العام
أوضحت الملاح أن استهداف خفض الدين العام إلى 78% من الناتج المحلي الإجمالي يحمل رسالة طمأنة قوية للمستثمرين، حيث يشير إلى أن الدولة تسير في اتجاه نزولي لمستويات الدين، وهو عامل رئيسي في تحسين التصنيف الائتماني وجذب الاستثمارات الأجنبية. كما أن هذا التوجه يعكس إدراكًا حكوميًا لأهمية السيطرة على الدين كأحد محددات الاستقرار الاقتصادي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا.
وفيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، أكدت أن تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية بزيادة سنوية قدرها 12% يعكس حرص الدولة على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، مشيرة إلى أن هذه الزيادة تمثل استجابة ضرورية لتداعيات التضخم على مستويات المعيشة.
وأشارت إلى أن استمرار دعم الحماية الاجتماعية بهذا الحجم يعزز من الاستقرار المجتمعي ويحد من الآثار السلبية للإجراءات الإصلاحية، مما يعكس تبني سياسة مالية أكثر شمولًا. وأكدت أن الرسالة العامة للموازنة، كما عكستها تصريحات أحمد كجوك، تقوم على أربعة محاور رئيسية تشمل دعم المواطن وتحفيز المستثمر وتحقيق الانضباط المالي وخفض الدين، مشددة على أن هذه المحاور تمثل “معادلة صعبة” تتطلب إدارة دقيقة لتحقيق التوازن بينها.
90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادي
في سياق دعم الاقتصاد الحقيقي، ذكرت أن تخصيص 90 مليار جنيه لبرامج مساندة النشاط الاقتصادي يمثل خطوة مهمة، خاصة مع ربط صرف الحوافز بتحقيق نتائج فعلية على الأرض، مثل زيادة الإنتاج والتصدير وخلق فرص عمل. وأوضحت أن هذا التحول من الدعم غير المشروط إلى الدعم المرتبط بالأداء يعزز من كفاءة الإنفاق العام ويضمن تحقيق عائد اقتصادي حقيقي من الأموال المخصصة.
وتوقعت أن تسهم هذه السياسات، حال تنفيذها بكفاءة، في تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الفترة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بمعدلات النمو والاستثمار. وأشارت إلى أن الموازنة الجديدة تمثل خطوة متقدمة في مسار الإصلاح الاقتصادي، لكنها تتطلب متابعة دقيقة وآليات تنفيذ فعالة لضمان تحقيق الأهداف المستهدفة، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وضع الأرقام، بل في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

