في ظل الأزمات الكبرى، تتغير موازين القوى بشكل سريع، حيث تظهر الحقائق من بين غبار السياسة إلى أرقام السوق، مما يكشف من يستطيع الاستفادة وسط الفوضى ومن يواجه تبعات ذلك على اقتصاده ومعيشة شعبه.

إيران تستفيد من ارتفاع أسعار النفط

تبدو إيران في قلب هذا المشهد واحدة من أبرز المستفيدين من التوترات الحالية، إذ تتزايد إيراداتها النفطية مع كل ارتفاع جديد في الأسعار، بينما تواجه الدول المستوردة ضغوطًا متزايدة تتجاوز مجرد الوقود لتشمل الغذاء والنقل والصناعة والتضخم.

قفزت إيرادات النفط الإيراني بشكل ملحوظ خلال مارس 2026، نتيجة تداخل صعود الأسعار العالمية مع انخفاض الخصومات على الخام الإيراني، بالإضافة إلى استمرار قدرة طهران على تسويق جزء كبير من صادراتها رغم الظروف السياسية والعسكرية المعقدة في المنطقة.

بلغ الإيراد اليومي للنفط الإيراني نحو 139 مليون دولار، بعد أن كان حوالي 115 مليون دولار يوميًا في فبراير، مما يعكس زيادة كبيرة في فترة زمنية قصيرة، ويظهر أن ارتفاع الأسعار في أوقات النزاع يملأ خزائن البائعين بشكل أسرع من أي وقت مضى.

تتضح القاعدة في أسواق الطاقة، حيث من يبيع النفط خلال الأزمات يحقق أرباحًا أكبر، بينما يتحمل المشترون تكاليف أعلى. وقد استفادت إيران من هذا الوضع بشكل كبير، حيث لم يعد خامها يُباع بخصومات كبيرة كما كان في السابق، مما أدى إلى تضييق الفجوة بينه وبين خام برنت.

تقلص الفارق بشكل لافت، مما زاد من القيمة الفعلية لكل برميل يتم تصديره، وتحول الارتفاع العالمي في الأسعار إلى مكاسب سريعة ومباشرة في الإيرادات. لم يعد الأمر مرتبطًا فقط بتجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل، بل أصبح أيضًا مرتبطًا بتحسن شروط بيع النفط الإيراني، حيث يتحول كل دولار إضافي على السعر العالمي وكل دولار يتم توفيره من الخصم السابق إلى دخل صافٍ أكبر للخزانة الإيرانية.

تبدو طهران وكأنها تربح من زوايا متعددة في وقت واحد: من ارتفاع الأسعار ومن تحسين شروط التسويق، مما يمنحها قدرة أكبر على تحويل التوتر إلى عائد مالي ملموس.

يبقى مضيق هرمز حاضرًا كعنصر أساسي في هذا السياق، فهو ممر مائي حيوي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز المسال، وأي توتر في هذه المنطقة لا يقتصر على كونه حدثًا محليًا بل يتحول إلى تأثيرات كبيرة على الأسعار في الأسواق العالمية، حيث يكفي مجرد التهديد لرفع كلفة البرميل.

تتجاوز مكاسب إيران مجرد أرقام بيع النفط الخام، فوجودها في منطقة تتحكم في شرايين الطاقة العالمية يمنحها وزنًا أكبر في أوقات الاضطراب. كلما زادت المخاوف بشأن الملاحة والإمدادات، ارتفعت قيمة النفط المتاح للبيع، وزادت أهمية كل شحنة تنجح في العبور إلى الأسواق، مما يجعل المعادلة هنا واضحة: التوتر يرفع السعر، والسعر يرفع الإيراد، والإيراد يمنح المصدرين قدرة أكبر على التكيف.

على الجانب الآخر، تقف الدول المستوردة، مثل مصر، التي تعاني من هذه الأوضاع، حيث لا تملك رفاهية الاستفادة من ارتفاع الأسعار، بل تتلقى الضربة كاملة. مع كل زيادة في أسعار النفط، ترتفع فاتورة الاستيراد وتزداد الضغوط على العملات الأجنبية، مما يتطلب دعم الوقود أو امتصاص أثره اجتماعيًا، وينتقل الضغط سريعًا إلى أسعار النقل والكهرباء والإنتاج الصناعي.

تتأثر جميع القطاعات، حيث أن ارتفاع أسعار النفط يؤثر على كلفة الشحن البحري والتأمين، مما يزيد من أسعار الأسمدة والمواد الخام، وبالتالي تؤثر هذه الضغوط على القطاع الزراعي والصناعي معًا، مما يجعل الدول المستوردة تواجه موجة من الأعباء تبدأ من الموانئ ولا تنتهي عند موائد المواطنين.

يظهر أن المستفيد الحقيقي من ارتفاع أسعار الطاقة هو من يمتلك سلعة نادرة ومطلوبة في أوقات الاضطراب، بينما يتحمل المشترون تكاليف مضاعفة. تعكس هذه الديناميكية عمق الأزمة الاقتصادية، حيث تساهم الحروب في رفع أسعار النفط، مما يزيد من إيرادات المنتجين، بينما يتحول الأمر إلى عبء أكبر على المستوردين.