تحتضن أروقة المسجد النبوي ساعةً تراثيةً عمرها يتجاوز الثمانين عامًا، وما زالت تعمل بنظام التوقيت الزوالي الذي يعتمد على احتساب الوقت وفق حركة الشمس ولحظة الزوال، حيث يُظهر ذلك جانبًا من الإرث الزمني المرتبط بضبط أوقات الصلاة، وتُعتبر هذه الساعة شاهدًا حيًا على المراحل التاريخية التي شهدها المسجد في وسائل تحديد الوقت، إذ ارتبط نظام التوقيت الزوالي بالتقويم الشمسي المحلي الذي يبدأ احتساب ساعاته من لحظة توسط الشمس كبد السماء، بما يتماشى مع طبيعة الحياة اليومية وأنماط التوقيت المعتمدة قديمًا.
وقد ورد في بعض المصادر التاريخية أن أول ساعة ميكانيكية أُدخلت إلى المسجد كانت سنة 1253هـ، وأُقيم لها موضع خاص قريب من باب السلام، كما استُخدمت الساعات الشمسية (المزاول) لمعرفة الزوال وأوقات الصلوات بدقة اعتمادًا على حركة الظل، ويمثل هذا الجانب شاهدًا على عناية المسلمين المبكرة بعلم الفلك والحساب خدمةً للشعائر، وحرصهم على تسخير المعارف العلمية لضبط المواقيت وتنظيم شؤون العبادة عبر العصور.
كما يمثل استمرار عمل الساعة حتى اليوم دلالة على العناية المتواصلة بالمقتنيات التراثية في المسجد النبوي، والمحافظة عليها بوصفها جزءًا من ذاكرته التاريخية، وإبرازًا لما حظيت به خدمة الشعائر من اهتمام تقني وعلمي عبر العقود.

